في الأمس شددتُ الرحال برفقة والدي وأخي علي أخر العنقود في عائلتنا للصلاة في المسجد الأقصى المبارك ، وقبل البدء بالحديث عن الأجواء في باحات المسجد الأقصى في الجمعة الثالثة للشهر الفضيل اسمحوا لي بالخروج عن النص قليلاً والخوض ببعض التفاصيل الشخصية لعائلتنا .. نحن في العائلة نعيش بوضع خاص و معقد فرضته علينا إسرائيل بقوانينها وتعليماتها العنصرية التي فرقت من خلالها بين الابن وأبيه وبين الزوج وزوجته ، فأنا وجميع إخوتي نحمل هوية فلسطين 48 بينما والدي وبسبب التحفظات الأمنية عليه بقي يحمل هوية فلسطين 67 مما اضطررنا للتأقلم مع هذا الوضع الخاص في عيشنا وتنقلنا ..
قصدنا القدس الشريف سالكين طريق رام الله وعند أول حاجز صادفنا وهو حاجز عناتا اصطدمنا بمعضلة الهويات ، فأن وأخي يسمح لنا بالعبور إلى القدس كوننا نحمل هوية 48 بينما والدي يمنع عليه العبور من هذا الحاجز ؛ بالرغم من انه تجاوز سن الخمسين - وهو سن الرجال المسموح لهم بزيارة الأقصى الشريف برمضان - إضافة لامتلكه تصريح دخول لأراضي 48 .. سألتُ المجندة التي استوقفتنا على الحاجز عن أي الحواجز التي يسمح لحملة التصاريح من الضفة الدخول من خلالها للقدس فدلتنا لحاجزي قلنديا والزعيم " هزتيم " ..اخترنا التوجه لحاجز الزعيم وما أن وصلناها إلا واصطدمنا مرة أخرى بمعضلة الهويات وان والدي يمنع عليه الدخول من هذا الحاجز وعليه التوجه للعيزارية أو قلنديا ، وخلال فترة جدالنا مع الجنود على هذا الحاجز لم تتوقف سيارات المشمار كفول " حرس الحدود الإسرائيلي " عن إحضار العشرات من أبناء وبنات الضفة ممن تمكنوا من الدخول للقدس بطرق غير قانونية كون أعمارهم تقل عن السن المسموح لهم بالدخول للصلاة في القدس .. وبعد أن فشلت كل الجهود في إقناع الجنود بالسماح لوالدي بالدخول للصلاة في الأقصى عبر حاجز الزعيم لم يبقى أمامنا من مجال سوى أن يدخل والدي من جهة العيزارية مشياً على الأقدام وأنا أعود للدخول عبر حاجز الزعيم بسيارتي ونلتقي داخل الأقصى إن تيسرت الاموار .. وصلنا القدس وقد بقي نصف ساعة لأذان الجمعة وبساعة كهذه يصعب عليك أن تجد موقفاً لسيارتك قريباً من البلدة القديمة وبعد جهدا طويل وجدت بموقف المسجد الأقصى المطل على وادي الجوز مكاناً لسيارتي .. وبسرعة البرق بدأنا بالسير تجاه اسوار البلدة القديمة وما أن وصلنا باب الساهرة إلا واصطدمنا مرة أخرى بأفراد المشمار كفول تستوقف المارين عبر بوابات البلدة القديمة وتطلب هوياتهم ، وبعد الفحص والتدقيق بهويتي وجواز أخي كونه لا يحمل الهوية بعد سمحوا لنا أخيراً بالدخول للبلدة القديمة ، عندها اتصلتُ على والدي واخبرني انه أيضاً تمكن من الدخول للقدس وهو بطريقه للبلدة القديمة واتفقنا على أن نلتقي بالقرب من باب القطانين ، وحمداً لله أن شملنا ألتم مرة أخرى داخل أسوار البلدة القديمة قبل دقائق من صلاة الجمعة ولم تفتنا الصلاة ..

رغم الأجواء الحارة في باحات الأقصى يوم أمس إلا أن ساحاته ازدحمت بالآلاف من أبناء فلسطين ، لبوا نداء الله في هذا اليوم المبارك واجتمعوا في اطهر بقاع الأرض على كلمة لا إله الله محمد رسول الله .. هنا على هذه البقعة الطاهرة التي شرف الله أهلها بالرباط إلى يوم الدين .. مجرد أن تطأ قدماك أرضها تنسى كل ما عانيته في سبيل الوصول إليها .. هنا لا فرق بين ضفاوي ولا مقدسي ولا ابن 48 .. كلهم أبنائك يا فلسطين ..
ما يحزننا وأثناء تجوالي بين جموع المصلين أن جلهم من الرجال الكبار بالسن فقد استطاع المحتل بسياسته الإجرامية منع من تقل أعمارهم عن الخمسين من أبناء الضفة من الصلاة فيه وفقط شباب القدس وشباب فلسطين 48 هم من تمكنوا من دخول باحاته ..
شيء آخر أثار انتباهي أود الإشارة إليه قبل أن أترككم مع عدسة كأميرتي وهو انه وبعد الانتهاء من صلاة الجمعة مباشرة قام احد الدعاة لإقامة الخلافة ممن تواجد بالمنطقة التي أديت الصلاة فيها وبدأ يخاطب جموع المصلين ويدعوهم للالتفاف حول جامعته ونهجها في إقامة دولة الخلافة الغريب أن العشرات من الأصوات بدأت بالصراخ عليه وتدعوه للكف عن أسلوبه وأسلوب جامعته مؤكدين على أن شعبنا مل الانقسامات والدول ولا أبالغ إن قلتُ لكم انه لو بقي مستمر بحديثه لانهال عليه عدد من المصلين وأسكتوه بالقوة .. أحبتي هذا دليل آخر على أن شعبنا تعب ومل من الشعارات الرنانة ، ويكفيه ما عانى ويعاني من تشرذم وانقسام وضياع ، نسأل الله أن يلم شملنا ويوحد كلمتنا وينهي معاناة شعبنا ويجمعنا وإياكم في باحات الاقصى الحبيب ..
أترككم مع عدسة ابو وديع لتنقل لكم الصورة من باحات الاقصى الشريف في الجمعة الثالثة من شهر رمضان المبارك ..
من المغرب