![]()
فهم وبعد أن سلب الله منهم القدرة على النطق ، أصبحوا عاجزين عن التفريغ عم في داخلهم من ضغوطات وضيق لعدم قدرتهم على الكلام ، فالتجؤا إلى الصراخ و إصدار بعض الأصوات التي تكون قريبة من الكلام السائد حولهم .
في إحدى المرات ناديته بالأخرس فغضبت زوجته مني كونها تتكلم وتسمع ، وبعد أن اعتذرت عن ذلك وقررت من يومها أن أناديه باسم علي وهو الاسم الشخصي له ، تبين لي فيما بعد بأن الخرس يغضبون ويتضايقون حينما ينادون بالخرس ، مع أنهم لا يسمعونها بل يحسون بها من خلال ملامح وجه من يكلمهم ، فالكثير منهم يفهم عليك ويفهم قصدك من خلال شخصيتك ، فأنت لست بحاجة لأن تتقن لغتهم لكي تستطيع مخاطبتهم .
والحب عندهم عالم آخر اقرب إلى الروايات والخيال ، فهم إن أحبوا اخلصوا وضحوا و هذه القصة أحدهم ممن عمل معي ..
ياسر والبالغ من العمر 37 عاماً على علاقة حب مع فتاة خرساء تعلمت معه منذ ما يزيد عن عشر سنوات ، وهذا الشاب مقتدر ومؤهل للزواج يتمتع بوضع مالي ممتاز له بيت أشبه بالقصر ولديه سيارة فخمة ، ويعمل منذ سنوات وعندما قرر الزواج من هذه الفتاة رفضها أهله خوفاً من أن يرزقوا بأطفال مثلهم ، الشاب لم ييأس وقرر الصيام عن الزواج منذ عشر سنوات مؤكداً لأهله أنه لن يتزوج غيرها ، وقال لي يوماً أني لن أتزوج حتى لو بقيت طوال عمري أعزب ،فأي إخلاص وأي حب يمتلكون هؤلاء الناس ..!!، كان يأتي إلى العمل مبكراً ليجلس بسيارته ويجهز الرسائل على هاتفه النقال لكي يضمن أن لا يشغله عمله عن مراسلتها خلال ساعات النهار ، وكنتُ أراقبه خلال النهار وهو ينظر إلى هاتفه وقد ارتسمت الضحكة على وجهه لأعلم أنها قد أرسلت له كلام أسعده ، وفي النهاية كان له ما أرد ، فقد خضع والديه لإرادته ووافقا على زواجه من الفتاة الخرساء ، وقبل أسبوعين وصلتني دعوته لحفل خطوبته ، متمنياً له التوفيق والسعادة بما اختار قلبه ..
الخرس أو الصم لهم عالمهم الخاص ، يعيشون فيه مع أنهم مندمجون بالعالم الخارجي بشكل شبه طبيعي ، أنظر أليهم وهم يتخاطبون بلغتهم الخاصة ويضحكون من أعماق قلوبهم ، وكم احسدهم أحيانا على الحب والألفة فيما بينهم وعلى عشقهم لبعضهم ، فحينما يتعرض احدهما للمضايقة تجدهم يداً واحدة ،موحدين أمام من عادهم حتى لو كان الحق عليهم ، والغريب بالأمر أن الولاء عندهم لبعضهم يفوق ولاءهم لعائلاتهم ، وهذا ما تأكدت منه حينما تشاجرت ذات مرة مع احدهم ووجدت خالي يقف بصفهم ضدي ، وكم تمنيت لو أن الشعوب العربية جمعاء مثلهم لكّنا يداً واحدة بوجه من عادنا وَلما رأينا أمريكا وزمرتها ..
استفاد الخرس من تقنيات التكنولوجيا الحديثة ، ونجحوا في تسخيرها لخدمتها ، فبعد انتشار خدمة الرسائل القصيرة للجوال فيما بينهم كوسيلة للتخاطب واللقاء ، انتشرت بينهم اليوم خدمة مكالمة الفيديو التي ادخلتها معظم شركات الهاتف الخلوي في مناطق 48 وساعدت هذه الخدمة في التواصل بينهما وبدأوا يتخاطبون وجهاً لوجه من على كاميرات الموبايلات ..
واليوم وبعد ست سنوات عشتها بينهم أصبحت متأثراً بتصرفاتهم وببعض الألفاظ التي تصدر عنهم وهي اقرب إلى الصراخ منها إلى الكلام ، وفي زيارتي الأخيرة للقاهرة لفت انتباهي مطعم للدجاج الأمريكي قريب من الشريتون من يعمل به ويديره هم هؤلاء الشريحة ممن حرمهم الله القدرة على النطق والكلام ، ويالله ما أروع معاملتهم للزبائن فهم على الأقل لا يطلبون الإكراميات كغيرهم ، وكم أتمنى أن نرى مثل هذا المطعم عندنا ، وعندما اجلس على التلفاز احرص على أن لا يفوتني أي عمل يتناول قصتهم وحياتهم ، واذكر هنا بعض الأعمال الرائعة التي تناولت حياة هذه الشريحة من المجتمع والتي لا تختلف عن واقعهم بشيء ، فمن الأفلام اذكر فلم (الصرخة) ، لنور الشريف ومعالي زايد ، والذي عايش واقعهم كما هو ، والمسلسل الأردني البدوي (أنا والخرساء )، لروحي الصفدي وعبير شمس الدين ، ولا أنسى هنا الكليب الرائع لنانسي عجرم لأغنيتها (أنا ما بدي تقلي كلام ..) ، فهي لفتة رائعة من قبل القائمين على هذا العمل لوضع هذه الشريحة في المجتمعات العربية .








said:

said:

said:

said:

said:


said:




said:



said:



said:





said:







من الأردن