من عرف فلسطين كيف له أن ينسى سحر بحرها !!
ومن منا لم يعشق البحر ولم يكتب له ويبوح له بوجعه وحرقة قلبه
على غدر هذا الزمان
أصدقائي
لكم أهدي أروع الصور
وأبلغ ما قيل من كلام
في بحر فلسطين

بحر فلسطين تأخذك ألوانه إلى العمق، وتدفعك أمواجه إلى التأمل في بواطن الأمور وخفايا الزمن، ففي سكوته صخب، وفي هدوئه ثورة، وتحت سطحه الذي يستدعيك إليه بوداعته تختبئ حوامات مفترسة تبتلع القوي كما الضعيف... إنه القوة التي تستمد عنفوانها من الانكسار على صخور الظلم، فتذوب الصخور ويبقى البحر وأمواجه.
ويأتي البحـر إلى الشاطئ ليسترخي على رماله ويبوح له بالأسرار المكبوتة في أعماقه المظلمة، فتهمس كل قطرة ماء بسـرها لحـبة رمل، بلغـة لا تفهما أقدام الغـرباء ولا رؤوس العـملاء... وترسـم القطرات وحـبات الرمل خارطة ملونة لمأساة وطن بلا لون، ثم تنسحب متدحرجة إلى محيط المنفى وهي تصرخ: "حتماً سـأعود!"
ويبقى البحر هناك، شاهداً على ما يجري في الوطن المسـلوب... ويبقى بحر فلسطين بألوانه الأفقية المتدرجة الغموض، مقطعاً عرضـياً لجسـد التاريخ، أوله رمل يقطر شوقاً للذين رحلوا عنه، وأوسطه صفاء القنوط في السطح وبوادر ثورة في القاع، وآخره ومضات من أمل في زمن مكفهر، وأفقه النهائي انفتاح يخفي في طياته قوارب العائدين إلى الرمل الذي يقطر شوقاً.
الدنيا ذو دولٍ، والبحر مقبرة للظالمين... فالبحر يُمهل ولا يُهمل، وأمواجه لا تعرف التخاذل، وأعماقه لا تهرب منها حقائق التاريخ. والبحر يأخذ بنهم ويعطي بكرم... يغرق الظالم ويحمل المظلوم. وإذا كان للإنسان مع البحر جولة، فللبحر على الإنسان صولة.
بحر فلسطين إذاً يروي الحكاية كلها، وبكل تفاصيلها، لمن يفهم لغته... فحركته في المكان تختزل حركة الزمان، وكل موجة فيه تروي ما بين ظهورها وغيابها فصلا من فصول التاريخ...
هل عرفتم غضب الحق على الباطل؟ هل ذقتم غضب الخير على الشر؟ هل جربتم غضب الشرف على منتهكيه؟ هل رأيتم غضب التاريخ على أعدائه؟ انظروا إلى هذه الصور لبحر فلسطين على شطآن الغزاة وسترون الغضب بأوضح أشكاله... سـترون التاريخ أحادي البعد وحالة النفس التي لا أبعاد لها، متجسدين في الأبعاد الثلاثة للمكان...
ينفجر جسد التاريخ، وتتطاير شظايا الزمن، ويثور زبد النفس الغاضبة، ويتحول الحق والخير والشرف وضمير التاريخ إلى قوة عاتية تغمر كل ما يقف أمامها... ويختفي الباطل والشر والغاصبين وأعداء التاريخ عن الأنظار تحت زبد البحر الغاضب...
لكن سورة واحدة من الغضب لا تصـلح التاريخ ولا تنهي المعركة، فيبرز الباطل والشر والغاصب والمعتدي من جديد، ويخرج زبد البحر وشظايا التاريخ لتحكي حكايتها للشاطئ وتعد حبات الرمل بالمثابرة والصمود، ثم تنسحب عائدة إلى البحر لتجمع قواها وتعود... ويبقى البحر، وتتآكل الصخرة السوداء إلى أن تزول، ولو في آخر التاريخ.
وعلى الشاطئ تداعب الأمواج المنهكة هذا الحجر الغريب بمزيج من الشفقة والشماتة... كانت هذه صخرة سوداء كتلك، فانظروا ماذا حل بها وإلى أي حال آلت! عبرة لكل الصخور السوداء التي تعترض مجرى التاريخ.
بعد كل سورة غضب تخرج الأمواج إلى الشاطئ لترسم صورتها الشخصية على رماله تأكيدا لوجودها وتجسيدا لحقها فيه...
وحين ترسم الأمواج صورتها الشـخـصـية على رمال الشاطئ، تصبح الصورة صورةً لفلسطين، ويصبح الشاطئ فلسطين كلها، وتصبح الموجة بحر فلسطين... وهكذا تعيد الأمواج خلق وطنها بنفسها كلما جاءت لتتمدد على الشاطئ، وفلسطين ستبقى طالما أن هناك بحر ترسم أمواجه صورتها على شاطئها.
وحين يعشق البحر شاطئه ويصبح الرسام جزءا من اللوحة التي يرسمها...
حينئذ يصبح الرمل والبحر والموج والإنسـان خطوطا في لوحة الخلود... وتتغير الخطوط
وتتبدل، لكن اللوحة تبقى هي ذاتها إلى آخر الدهر.
وإذا تعب الإنسان من واقع الإنكسار وهزيمة الحق والخير والشرف والتاريخ، فإنه يجد ملاذا مؤقتا كطيف في صورة الواقع التي تعد فيها أمواج البحر فلسطين بانتصار الحق والخير والشرف والتاريخ.
من فلسطين