تراث أمة يعني حياتها الاجتماعية بما فيها من أفراح وأتراح
وبعد غيابي فترة من الزمن لانشغالي بأمور أسرية عدت وفي جعبتي موضوع هو من عمق التراث وبدأ ينقرض تدريجيا حيث حين ألتقي بجلسة فيها المغتربون يبثون شجونهم أتحدث عن هذا الموضوع الذي رأيته بنفسي ولم أنقله عن أحد بل بأم عيني عاصرته ... وأرجو تحملي دون تشاؤم فالتراث يجب نقله بأمانة بكل ما يحتويه ... وربما لا أجد صورا له فيكون بمثابة مقال من جدران الذاكرة ...
عادات الفلسطينين وطقوس الترتيبات المصاحبة للموت
جيراني أقول لكم أني من صغري كنت شقية وحيث أني أصغر واحدة وقد تزوج الجميع قبل أن أعي أخذت نصيب الأسد من جرعات الدلال وكانت أمي تخاف علي كثيرا ...
لذا كنت كلما تأخرت وأنا عائدة من المدرسة أو أثناء اللعب في الحارة تخرج أمي ويلتم أولاد الحي يتسابقون للبحث عني لأن أمي تعدهم بالقروش لتوزعها عليهم وحين أحضر تصرخ وتقول أقسمت أن أضربك وتبدأ وكأنها تنفض الغبار عن ثيابي وتقول وبعدين فيك صرت موزع ثقلك نقود وأنا أضحك وأقول لها لدي خبر وأجلس بجانبها أروي لها ....
كل هذا لتعلموا كيف استقيت معلوماتي فحين أسمع صراخا أجري نحوه وحين أرى جنازة أمشي خلفها ومن هنا سأحدثكم عن طقوس الوفاة ...
حين يثبت شرعا وفاة شخص ما تبدأ النساء بالصراخ والعويل ويسجى الميت على فرشة في الأرض ويغطى بعد أن يربط فمه وإن كان الوقت ليلا يجلب قوالب من الثلج توضع عليه في فصل الصيف ....
ويبدأ الاعلان بين الناس وأحيانا تستخدم سماعات المسجد ليعرف الجميع ويحضروا صلاة الجنازة .....
تجلس النساء حول الميت ويبدأن بالنواح بأبيات تتقطع لها القلوب وواحدة تقول المقطع والبقية يردد اللازمة مثل
ياحسرتي متنا بحسرتنا
ودموعنا بلت وسادتنــا
امتا يـعود الدم عالـــدم
نفرش حصيرتنا ونلتـم
نشكي المواجع لبعضنا
ثم يحين موعد حمام الميت فيحضر الكفن ويرش بماء زمزم إن وجد وتحضر العطور والمسك والحناء وإن كانت امرأة تحضر عصبات من المناديل الخضراء
ويحضر الحمام أقرب المقربين والنساء تنتظر بالخارج وأيضا ينحن بتناويح تناسب طقوس حمام الميت وأذكر منها :
حمموا يا خيو وامشي وراه
ضيفنا هاليوم ما عدنا نراه
يا (يذكر لقب العائلة ) يا حس الجرس
وبعد الانتهاء من التكفيين يبدأ جميع المقربين بالدخول لوداعه ثم يحمل النعش على الأكتف باتجاه المسجد
وتتحرك قافلة النساء خلف الرجال ويجلسن خلف سور المسجد وبعد الصلاة عليه يتجهوا نحو المقبرة مشيا على الأقدام والنساء خلف الرجال يضربن الصدور ويلوحن بالمناديل السوداء ويقلن
اودعتك لله ربي
من اليوم ليوم الحساب
ان كان فراقك يصعب علي
هذا حكم الاله
ملوك الارض راحت يا احباب
الدنيا غرورة تجنبوها
كاسات الموت لازم تشربوها
يا دنيا ما غراني كثر مالك
ولا لفتة عبيلة بنت مالك
واللي كان بر وبحر مالك
طلعت حصتو حفنة تراب
أما إن كان الميت عمره تعدى 70 سنه فيخرج خلف الجنازة ما يسمى ( العدة والكاسات ) يحملون أعلام خضراء ويدقون طبول وكاسات ويكبرون ويهللون .
وبعد وصول المقبرة يبدأ الرجال بالدفن وتجلس النساء بعيدا حتى يغادر الرجال المقبرة فيتقدمن نحو القبر والمقربات يتفعفلن بالتراب
وتتولى واحدة رش الكالونيا والماء لمن تصاب بالإغماء وبعد ذلك يعدن للبيت بنفس النواح ودق الصدور ...
ومن العادات الجميلة كل الجيران يحضروا صواني عليها أصناف من الطعام ويتجمعوا في بيت الميت للمواساة ومحاولة اطعام أهل الميت ويسموها ( كسر السفرة ) بعد عناء يوم من البكاء والنواح بالجوع .
في صباح اليوم الثاني تخرج أسراب النساء بعد صلاة الفجر بنواح خافت مارات بالطرقات الى أن يصلن المقبرة ويزرن الميت ويرش القبر بالماء ويسمى هذا ( فكة الوحدة )
يفتح العزاء 3 أيام والكل يحضر من بعيد وقريب يحضرون معهم أكياس الرز والسكر والبن والدخان مساهمة لأهل الميت
في نهاية اليوم الثالث عادة ما تتم ختمة القرآن والبعض يقول بدعة
وتوزع بعدها صدور من الكنافة النابلسية على جميع الحضور ويقال حتى تبقى سيرته حلوة على الألسن وهذه العادة ما زالت حتى يومنا ..
في اليوم السابع تجتمع النساء ويسهرن على تجهيز أقراص من الحلبة بزيت الزيتون وأتمنى من أخي أبو وديع أن يشرح لكم طريقتها لأنها لذيذة جدا حيث يعجن كيس من الدقيق 50 كيلو ويستهلك تنكة زيت زيتون ويخبز بصواني في المخبز وتوضع كل فطيرة داخل كيس نايلون وتؤخذ الكمية وتوزع على القبر يوم الخميس وتحدث هناك اشتباكات (مبالغة شوي ) للحصول على أكثر من واحدة والبعض يوزع معمول بالتمر...
ومساء هذا اليوم يتم عشاء عن روح الميت وتستمر النساء كل خميس بزيارة المقبرة حتى الاربعين يوما ... ويوم الأربعين يقام عشاء من جديد .
ثم بعد ذلك تصبح الزيارة بالأعياد وتوزع أقراص المعمول كل عيد ..
سامحوني على الموضوع ولكن وجدت أنه يستحق التوثيق كما بقية تراث فلسطين وحتى أن هناك تفاصيل أخرى اختصرتها بُعدا عن الملل .
إلى أن نلتقي بموضوع جديد
كل التحية والتقدير
كروووووم









said:

said:

said:


said:

said:





من المغرب